subscribe to our newsletter
For nothing will be impossible for God…Lk1/37
English   |  عربي
حياة المطران يوحنا حبيب
 
 
 
ولد حبيب بن بطرس الخوري يوسف العينكسوري في اواسط شهر تشرين الاول من سنة 1816في بيت الدين مركز متصرفية جبل لبنان. والدته تدعى ورده الحيمري من دير القمر، وجدّه لأبيه الخوري يوسف استقدمه الامير بشير من عينكسور(بين عبيه وعاليه) هو وعائلته ليقيمه كاهناً لخدمة شركائه.
 
وكلت عناية الله امر حبيب في طور حداثته الى اشخاص ثلاثة: سلّوم عزيز الجزّيني، والراهبين واكيم الحاقلاني ويوسف شاهين. اخذ الفتى عنهم دروس العربية والسريانية والخط، ومبادىء التعليم المسيحي ومحاسن التقوى والفضيلة.
 
صدف مرة من وصول حبيب الى مدرسة عين ورقة برفقة معلمه القس يوسف، دخل لمشاركة المصلّين وكان المطران يوسف ابي رزق يرئس الصلاة، فأمره بتلاوة احدى الصلوات وامتحنه بعدة اسئلة، فأجاد وأجاب بذكاء ونباهة، فقال له المطران: جئتنا في زيارتك ضيفاً فقبلناك تلميذاً، اذهب واحضر لوازمك وارجع الينا.
سنوات دراسته في مدرسة عين ورقة ناهزت الثماني سنوات اتقن خلالها العلوم الفلسفية واللاهوتية واللغتين الايطالية واللاتينية. وكان حسبما وصفه اقرانه انساناً نظامياً سالكاً في واجبه يعمل واياهم في نسخ الكتب نظراً لقلّتها فضلاً عما خصّه به معلموه من ثقة وتقدير.
 
في سنة 1838 أنهى حبيب دروسه الكهنوتية لكنه لم يتقدم من الدرجات المقدسة لأنه لم يكن أتم بعد السنة القانونية للرسامة. التزم البقاء في عين ورقة يعاون الادارة في تدبير شؤون الطلاب الجدد، الى ان استدعاه البطريرك يوسف حبيش ليبلّغه امر تعيينه مع رفيقه الشيخ بشارة الخوري لدراسة الفقه لأن وضع البلاد وانظمتها يستلزمان ذلك.
 
اما دراسة الفقه بين النصارى (لأنه كان في القرون المتآخرة منحصراً بالمسلمين) فترجع الى رجل من رجال النهضة العلمية المارونية هو البطريرك يوسف حبيش الذي تفانى على تقدم وطنه وكنيسته. فكان من البديهي ان يعمل جاهداً لنشر هذا العلم بوساطة اشخاص سخا في تعليمهم مشترطاً عليهم تعليم سواهم من ابناء الكنيسة.
 
انصرف حينها حبيب ورفيقه الى طلب العلم من ينابيعه، درسا اولاً في طرابلس ثم في بيروت على يد القاضي الشيخ محمد البزري والمفتي الشيخ احمد افندي الغرّ. ثم دعي الى بيت الدين بطلب من المير ابن امين الامير الشهابي الكبير ليُنصّب قاضياً شرعياً للنصارى. اعتلى مكرهاً منصة القضاء قبل ارتقائه درجة الكهنوت وهو بعد في الثالثة والعشرين.
 
ثم كانت تنحيته عن القضاء بعد 16 سنة امضاها في ممارسة وظيفته لتزيد من احترامه وسمو مكانته. وذلك اثر اصراره على رفض ادانة يوسف بك كرم أخلى الوظيفة بلا أسف:" لست سكران من خمر الاثم ولا انا ميت الضمير ولا انا جاهل امور ديانتي ورسوم كهنوتي حتى انافق بيميني واتعصب لأحد".
 
لم يرتق درجة الكهنوت الا بعد اكماله السنة ال 25 من عمره. وكان ذلك في دير مار جرجس ساحل علما 5 نيسان سنة 1841 بوضع يد الوكيل البطريركي المطران سمعان زوين وذلك على مذبح القديسة مريم البتول- دير قنوبين اشارة الى الارتباط القانوني المباشر بالسيد البطريرك دون سواه. ومنذ ارتقائه الكهنوت دعي الخوري يوحنا حبيب. وبعد ان اعتزل القضاء نهائياً سنة 1855 انفرد الى دير الشرفة للسريان الكاثوليك يدرّس الطلاب اللغتين الايطالية والسريانية والعلوم الكنسية ويعكف على ترجمة اللاهوت الادبي. كان يلحّ في طلب المشورة للانصراف الى حياة كهنوتية رسولية. صعب من كل وجه انضمامه الى اليسوعيين، لم يفتر عزمه بل تملكّته رؤية حاسمة في تأسيس جماعة رسولية شرقية هدفها العمل الرسولي في احضان الكنيسة المارونية. والجماعة التي ينشد قائمة فعلا في مدرسة عينطورة، وإن متعثرة. انها اخوية المرسلين الانجيليين التي سبق واوجدها البطريرك حبيش. حاول الخوري يوحنا حبيب بعثها من الموت، لكن سعيه باء بالفشل.
 
أخيراً اهتدى الى دير الكريم، الدير القابع في وادي غوسطا. فكان ثمرة عنائه الطويل وجزاء غيرته وامنية حياته في قيام جمعية مرسلين موارنة. بلغ الهدف وهو في الخمسين من عمره، حط في مقره الجديد سنة 1865، وبادر على الفور اعمال الترميم. وكانت باكورة القادمين اليه كهنة ثلاث : اسطفان قزاح من بكفيا، فرنسيس الشمالي من سهيله، ويوسف العلم من داريا الزاوية.
 
وكانت الخطوة التالية صياغة القوانين التي كانت جثواً امام بيت القربان الاقدس. فالدعوة الرسولية منحى جديد في كنائس الشرق. لذا استقى الخوري يوحنا حبيب رسوم قانون جمعيته من سنن الجمعيات الغربية كما افاد من رسوم جماعة عينطورة. وابرز المرسل الكريمي بوجهه الصحيح: لا هو راهب عابد في خلوة ديره ولا هو خوري رعية يحصر همّه في ابناء رعيته دون سواهم، انما هو مرسل يزاول بين المؤمنين خدمة روحية طليقة.
 
من أقواله :"لا تضجروا ولا تملّوا من اعمال الرسالة، لينشط كل واحد منكم ويستعد للاتّجار بوزنات دعوته لا بكلام الوعظ والارشاد وحسب، بل وبالعمل المطابق لأقوالكم، حتى اذا نظر الناس الى سلوككم اتعظوا بمرآكم ومجّدوا الله. الامتناع الشديد عن التماس اي بدل او مكافأة لقاء تعاطيكم الرسالة حفاظاً على شرف المناداة بكلمة الله لئلا تتعطل سمعتكم وتسقط كرامة الجمعية".
 
الجميع كان يعتبر فضيلة الخوري يوحنا حبيب ومقدرته العلمية في حقلي اللاهوت والشرع لذا شخصت اليه الانظار بإجلال فريد. وجاءت اللهجة العمومية تصوّب رفعه الى درجة الاسقفية. لكنه رفض هذا الامر. فعمد البطريرك بولس مسعد الى ابلاغه الامر بقوة الطاعة المقدسة، فاضطر للحضور الى بكركي وخضع للامر مرغماً، ورقّي درجة الاسقفية مطراناً شرفاً على الناصرة سنة 1889.
 
زمن حبريته 4 سنوات ونصف عاشها على نمطه الخاص: الثوب اسود ومثله الجبّة. صليب الصدر من نحاس وخشب. ما يصل ليده يذهب لديره. لا مظاهر حفاوة، لا ولائم لا تقادم، اكتفى بالعيش بين جمهور ديره كواحد منهم.
 
بعد الاسقفية اتجهت اليه الانظار كمرّشح للبطريركية. أيده اجماع شعبي واسقفي عارم. حتى ان قنصل فرنسا حرّر الى وزير خارجيته في باريس: "واجهته شخصياً على ان أقنعه بقبول المنصب، ولكنه ردّد امنيته بانهاء حياته في الخلوة والصلاة، وبقي اسمه وارداً حتى آخر ساعة وعلى كل شفة". (أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية)
 
حل أخيراً زمن الشيخوخة، انهكه الخناق الصدري فأوى الى ديره صابراً مصليّاً. ودخل في نزاعه الاخير يوم 4 حزيران سنة 1894، خفت صوته على ترداد اسمي يسوع ومريم الى ان فاضت روحه الطاهرة نحو خالقه.
 
"اوصيكم بالجمعية، فانتم ابناؤها، وهي عمل الله بين ايديكم. حافظوا على جمعيتكم، احفظوا قانونها ورسومها، عيشوا بالمحبة والاتفاق في ما بينكم، والله يكون معكم".
لقد درّس احد خدّامه القدماء الفقه فصار كاهناً فاضلاً ثم قاضياّ هو الخوري يوسف الشاعر الذي كتب مرة: استاذي وملاذي بكوني شمّاسكم وخادمكم، وهذا حسبي. ولما تقدّم بين يدي رستم باشا متصرف الجبل الثالث مرشحاً للقاضوية وعرف المتصرف كونه تلميذ الحبيب في الفقه، قال له: كفى بكونك تلميذ الحبيب شاهداً لي بصلاحيتك للمنصب. قال هذا ونصبه قاضياً بلا تردد.
 
 
2007 © kreim. All Rights Reserved. Website Design & Development by NetDesignPlus ltd.